الخبراء الذين نحتاج إليهم (2-2)

اندريس فيلاسكو

الأحد، 18 أغسطس 2019 12:20 ص

القدرة الفنية ليست القضية الوحيدة أو حتى الأساسية، ربما تكون الدوافع المتضاربة سبباً أكثر أهمية لانعدام ثقة المواطنين في الخبراء على نحو متزايد، وينطوي الأمر على مفهوم خاطئ، إذ يرى خبراء السياسات أنفسهم أنهم متعهدون غير منحازين للمشورة عالية الجودة والقائمة على الأدلة، يخشى المواطنون المطلعون أن يكون الخبير المعني مستعبَداً لأيديولوجية أو منهجية بعينها، بالقدر الذي ربما يجعل مشورته مدفوعة سياسياً، أو أن يفصّل المستشارون مشورتهم بما يتوافق مع اهتماماتهم ومخاوفهم المهنية «كيفية الحصول على الوظيفة المجزية في وول ستريت بعد ترك الحكومة على سبيل المثال».
يطلق خبراء الاقتصاد على هذا وصف «مشكلة الأساسي والوكيل»، يحدث هذا عندما يستأجر المساهمون في شركة ما «الأساسي» مديراً «الوكيل»، حيث قد لا تتوافق مصالحه تماماً مع مصالحهم، يشمل الاقتصاد حقلاً فرعياً كاملاً، أو نظرية العقد، وهو مكرّس لوضع الترتيبات التعاقدية، والقواعد والضوابط التنظيمية التي تتغلب على مشكلة الحافز هذه، ولكن من الغريب أن خبراء الاقتصاد خصصوا وقتاً قليلاً نسبياً لحل المشكلة التي تؤثر عليهم بشكل مباشر: كيف يضمنون ثقة الساسة والناخبين في المشورة أو النصيحة التي يقدمها الخبراء.
من المؤكد أن إبداعات صغيرة مثل مطالبة الأكاديميين بالإفصاح مقدماً عن الجهات التي تموّل أبحاثهم، من الممكن أن تساعد ولكن بمقدار، فعلى مستوى أكثر عمقاً، يواجه الخبراء مشكلة مألوفة للساسة: إقناع المواطنين بأنهم -الخبراء- يشاركونهم القيم والشواغل نفسها، وأنهم بالتالي يدافعون عن السياسات التي قد يختارونها -المواطنون- إذا حصلوا على المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار بشأن ذلك الاختيار.
في عالم مثالي، يقدم الخبراء قائمة من خيارات السياسة التي يختار منها المواطنون بحكمة، لكن في العالم الحقيقي، لا يملك المواطنون الوقت ولا الميل إلى البحث عبر بدائل السياسة المعقدة والمملة، ومن المؤسف أن هذه أيضاً حال الساسة، نادراً ما يُطلب من أغلب خبراء السياسات تقديم قائمة بالخيارات، بل يطلب منهم غالباً الإجابة على سؤال بسيط: ماذا ينبغي لنا أن نفعل؟ في الإجابة على هذا السؤال يجلب الخبراء حتماً قيمهم وتفضيلاتهم إلى المعادلة.
وعلى هذا، فكما هي الحال مع العديد من القضايا السياسية في أيامنا هذه، يتلخص الأمر في الهوية: فهل من الممكن أن يتعاطف الناخبون مع الخبراء أو الساسة الذين يقدم إليهم الخبراء المشورة؟ وهل من الممكن أن يستشعر الناخبون أنهم ينتمون إلى القبيلة ذاتها ويحترمون القيم نفسها؟
الإجابة عادة هي «كلا»، وهنا تكمن جذور المشكلة، فربما يقضي معلمو السياسات والساسة وقتاً أطول مما ينبغي مع آخرين من أمثالهم -كبار موظفي الخدمة المدنية، وكبار الصحافيين، ورجال الأعمال الناجحين- ووقتاً أقل مما ينبغي مع الناخبين العاديين، ويشكل هذا نظرتهم للعالم بلا أدنى شك، فكما يقول مثال في اللغة الإسبانية: «حدّثني عن أصدقائك، أقل لك من أنت».
كيف إذن قد يتسنى للخبراء استعادة ثقة المواطنين؟ الواقع أن الإجابة لا تخلو من مفارقة: من خلال مزيد من التواضع الفكري، والإقلال من التمسك بالأبراج العاجية وقاعات المحاضرات، والإنصات إلى الناس الذين لا يحملون شهادات دكتوراه، وإذا كان بوسعهم أن يصبحوا «أشخاصاً متواضعين أكفاء على مستوى أطباء الأسنان»، كما اقترح جون ماينارد كينز، فسوف تسنح الفرصة على الأقل لأن يتفاعل الناخبون مع خبراء غير محبوبين ومتحذلقين فيجدونهم جديرين بالثقة.
إنها مهمة ملحّة وعاجلة، لأن العالم يحتاج إلى خبراء جديرين بالثقة، فإذا شعر أحدنا بألم أسنان، فإنه لن يذهب إلى صديق لطيف حسن النوايا، بل إلى المحاقن والمثاقب المخيفة في يد أكثر أطباء الأسنان المتاحين كفاءة.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.

العالمي يقود كتيبة الأبطال القطريين في بطولة العالم لألعاب القوى

التعادل يحسم قمة آيندهوفن وأياكس في الدوري الهولندي

القائمة العربية تدعم غانتس لتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة

قطر تشارك في منتدى «إيكاو» العالمي للطيران

دولة قطر تشارك في منتدى إيكاو العالمي للطيران

بومبيو: ترمب "يرغب في حل دبلوماسي" مع إيران

سمو الأمير يزور أمير دولة الكويت في نيويورك

اختتام أشواط الحقايق في السباق المحلي الثاني للهجن

انطلاق فعاليات الدورة الثالثة من منتدى سيدات الدوحة 29 سبتمبر

الفترة من 2015 إلى 2019 هي الأشد حرارة على الإطلاق خلال 150 عاما

الدوحة