وترجَّلَ الفارس

أنس إسماعيل الكيلاني

الجمعة، 12 أكتوبر 2018 02:17 ص

كنت أهمُّ بإغلاق الآيباد مُختتماً تغريدة عن الأمّ، عندما وصلتني رسالة تفيد بأنّ العم أبا علي العبدالله قد توفَّاه الله في غُربته. كان خبراً محزناً جعل الشفاهَ تهتز والدمعَ يطفر من العين. وعادت بي النَّفس إلى ذكرياتها معه فعدتُ إلى رسائله القديمة -التي بذل في كتابتها وقتاً طويلاً- أقرأ بعضها مُسترجعاً ومُترحِّماً ومتسائلاً: هل صحيحٌ أنَّ «تلميذ الحياة» قد غادرنا، أهكذا يرحلُ دون أن نودِّعه ودون سماع صوته؟
يا ربي، كم هو قاسٍ هذا الموت.. كم هو أسود وقاتم! أهكذا يغيبُ من كان يُسعدنا برسائله وكلامه وملاقاته. لقد زرته في عيد الفطر الماضي أرافق والدي، فبادرنا باعتذاره عن حضور حفل زفاف ولدي بسبب اضطراره للسفر، على أمل أن نراه عند عودته؛ لكنّ أمر الله نفذ ولا حول ولا قوة إلا بالله. لقد غيَّب الموتُ ذلك العصامي الناصح والتاجر الأمين وفارس المسؤولية الاجتماعية الأول في قطر، تشهد له كل الفعاليات الاقتصادية والتعليمية والدينية والثقافية. والذي كان ملء السمع والبصر، فما كان ليفوّت فعالية من الفعاليات دون حضورها أو دون المشاركة بها. يحرص على حضور المحاضرات ومجالس العلم، يرافقه قلمه وأوراقه التي يدوِّن بها صافي الحكمة وراجحَ القول. يميِّز الغثَّ من السمين، وما كان ليرضى بالتهاون أو الخطأ فتراه يُسارع بالنُّصح والإرشاد وتبيان الخلل بأسلوب هادئ راقٍ وتهذيب عالٍ.
من خلال حديثه أو زيارته أو رسائله ومداخلاته، كان يُثني على المجتهدين ويدعو لهم بالتوفيق والسداد، ويرجو للآخرين الهداية والرشاد. كان له حضورٌ -وأيّ حضور!- من خلال الإذاعة التي كان دائم التواصل معها يُقدّم من خلالها تجربته الثرية وحكمته التي أنعم الله بها عليه وهو في غاية التواضع وعظيم العرفان. رحل الفارس الحكيم والمربِّي، بعد أن أدَّى رسالته وأحسن أداءها؛ فقد خلَّف وراءه أبناء غاية في الخُلُق الرفيع والأدب الجمِّ والعلم والمسؤولية، لهم بصمتُهم في المجتمع والحياة، وخلَّف وراءه أحفاداً وأصدقاء ومُريدين استفادوا من تجربته وحكمته وحُبِّه وعاطفته أيضاً.
لقد رحل صديقي وأستاذي أبا علي «تلميذُ الحياةِ».. رحل عن دنيانا، ورجاءنا من الله أن يكون رحيله إلى واسع مغفرته وعظيم رحمته وعالي جنَّته، بإذنه جلَّ وعلا.

بقلم المهندس: أنس إسماعيل الكيلاني

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.