ملاحظات على الذكرى!

أسامة عجاج

الخميس، 11 أكتوبر 2018 02:47 ص

45 عاماً كاملة، مرت على انتصار مصر في حرب أكتوبر، تلك اللحظة المضيئة في التاريخ العربي بصفة عامة، والمصري بصفة خاصة، ذلك النصر الذي حققه أبناء الفلاحين والعمال وأبناء الطبقة المتوسطة من خريجي جامعات مصر، الذين تم تجنيدهم بالقوات المسلحة المصرية، وتمكنوا من إحداث قفزة نوعية فيها، عندما التحقوا بها بعد نكسة يونيو 1967، وتمكنوا من التعامل مع تكنولوجيا التسليح الحديث للقوات، بعد القفزة المهمة في هذا المجال.
ولعل مرور تلك السنوات كفيل بمناقشة تداعيات ذلك النصر، ليس من باب التشكيك فيه -لا سمح الله- فلا أحد يناقش فكرة انتصار القوات المسلحة المصرية بكل المقاييس في هذه الحرب، رغم بعض الكتابات الإسرائيلية والغربية، التي تحاول الطعن فيه، اعتماداً على مجريات الحرب، وقدرة الجيش الإسرائيلي على القيام بثغرة «الدفرسوار»، بعد أسبوعين من الإنجاز الأعظم في الحرب، الذي حققه الجندي المصري بعبور خط «بارليف»، والتوغل داخل مساحات كبيرة في سيناء، ولكن الأمر يتعلق بالإدارة السياسية لمرحلة ما بعد الحرب، ومذكرات القادة المصريين المنشورة، ومنها مذكرات الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان، أو محمد عبدالغني الجمسي رئيس هيئة العمليات أثناء الحرب، وبعدهم محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية، الذي قدم استقالته احتجاجاً على ما تم في مباحثات «كامب ديفيد»، وكلها تقول الكثير، من أن تلك الإدارة لم تكن على نفس المستوى، رغم أن الأمر يتعلق هنا بشخص واحد على رأس النظام، وهو أنور السادات، الذي كان رئيساً للجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وقد أحب أن يطلق عليه بطل الحرب والسلام، فهو من أدار معركة أكتوبر، وهو أيضاً من قرر السير في طريق التفاوض لتحقيق التسوية السياسية، والنتائج تقول إنه رغم الإدارة العسكرية المتميزة للمعركة على الصعيد العسكري، فإنها لم تستثمر نتائجها على الصعيد السياسي، وكان لها أن تحقق الكثير، أبعد من اتفاقيات الفصل بين القوات، أو التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي على أنه جدار نفسي، يمكن تجاوزه بزيارة القدس، أو بالتوقيع على معاهدة كامب ديفيد، والتي كان من أبرز نتائجها خروج مصر نهائياً من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، بما تمثله من ثقل بشري وقدرات عسكرية، وإضافة كبيرة للقدرات العربية بصفة عامة، ونحن هنا لا نتهم ولا نقلل من الدور التاريخي له على صعيد نصر أكتوبر، بل ملاحظاتنا تتعلق بالاستثمار السياسي لذلك النصر.
الانتصار خلق إشكالية لدى مصر وقواتها المسلحة، في تحديد طبيعة التهديدات التي تواجهها بعد أن التزمت مصر ببنود ومضامين معاهدة السلام، التي فرضت على مصر الرسمية تطبيع العلاقات مع إسرائيل، دون أن يتم ذلك على المستوى الشعبي حتى الآن، وأصبحت إسرائيل في العرف العسكري ليست العدو، ولكن «الجانب الآخر» كما يطلق عليه، ولم تعد تمثل عدواً لمصر أو حتى خطراً، وإن كان ذلك ظاهرياً، وانفتح الطريق أمام دور جديد للقوات المسلحة المصرية في المساهمة في مكافحة الإرهاب، وهو ما أصبح واضحاً في السنوات الأخيرة.
انتصار أكتوبر العظيم خلق شرعية جديدة لجيل جديد أسماه السادات جيل أكتوبر، تمييزاً له عن جيل ثورة يوليو 1952، اعتمد عليه وعليها في سنوات حكمه الـ 11، لدرجة أنه اعتبر تعيين نائب له في ذلك الوقت وهو حسني مبارك، الذي كان قائداً للقوات الجوية في أثناء حرب أكتوبر، تسليماً للراية لهذا الجيل الجديد، وقد استمرت الشرعية نفسها، وتمسك بها مبارك في سني وجوده في السلطة، التي استمرت 30 عاماً كاملة، وانتهت هذه الشرعية مع مغادرة آخر رجال القوات المسلحة الذين شاركوا في الحرب، وتقلدوا مناصب قيادية، وكان بعضهم أعضاء في المجلس العسكري، الذي حكم البلاد بعد يناير 2011، وفي مقدمتهم المشير محمد حسين طنطاوي الذي تولى قيادة أحد ألوية الجيش أثناء الحرب، ويبدو بغياب طنطاوي، بدأ جيل جديد في قيادة القوات المسلحة المصرية، وقد يؤرخ له بمرحلة ثورة 25 يناير 2011.
هذه ملاحظات سريعة، تهدف إلى قراءة في حدث مفصلي في مسار التاريخ المصري الحديث.

أضف تعليقاً

لا يوجد تعليقات على الخبر.